الشيخ محمد رشيد رضا
65
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالآية ( يا معشر الانس والجن ) وإنما سمي كل من الجن والانس معشرا لأنهم جماعة من عقلاء الخلق . وليس المعنى أن لفظ المعشر مرادف للفظ الانس وللفظ الجن وإنما يضاف اليه إضافة بيانية . والظاهر أنه مشتق من المعاشرة . ونقل الآلوسي عن الطبرسي أن المعشر « الجماعة التامة من القوم التي تشتمل على أصناف الطوائف ومنه العشرة لأنها تمام العقد » اه وهو قول لا دليل عليه ولا نقل يثبته فيما نعلم تكرر في التنزيل مثل هذا التعبير في التذكير بيوم القيامة والاعلام بما يكون فيه من الأهوال والحساب والجزاء كقوله تعالى في سورة يونس ( 10 : 28 وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ ) وقوله في سورة الفرقان ( 25 : 17 وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) الآية . وقوله فيها ( 27 وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ ) الآيات . وقوله في سورة القصص ( 28 : 62 و 65 و 74 وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ) الآيات . وجمهور المفسرين يجعلون كلمة « يَوْمَ » في أمثال هذه الآيات مفعولا لفعل محذوف تقديره « واذكر » وهو خطاب للرسول ( ص ) أي واذكر لهم فيما تتلوه عليهم يوم يكون كذا وكذا . لان هذا معهود ومعروف عندهم ويدل عليه ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ ) وأمثاله بعده . وبعضهم يجعله ظرفا لفعل مقدر ان لم يوجد بعده ما يصلح أن يكون عاملا فيه مذكورا أو مقدرا ومنه فعل القول المقدر هنا قبل النداء . فيقال هنا : ويوم يحشرهم جميعا يقول لمعشر الجن منهم يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس . فالضمير في « يَحْشُرُهُمْ » للجن والانس الذين سبق ذكرهم في هذه السورة بقوله ( 99 وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ ) وقوله ( 111 شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ) وهو أب ، والشياطين هم الأشرار من الفريقين فهم المرادون هنا لان الخطاب لهم لا لجميع الجن . وفيمن ضل من الانس بهم لا في جميع الانس . قال الحافظ ابن كثير : يعني الجن وأولياءهم من الانس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون بهم ويطيعونهم ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ( قال ) ومعنى قوله : قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ - أي من اغوائهم واضلالهم كقوله تعالى ( 36 : 59 أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * 60 وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * ( 61 ) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس « تفسير الآن الحكيم » « 9 » « الجزء الثامن »